ابن الأثير

556

الكامل في التاريخ

فصار فيها من سلم من فرسان الفرنج بالساحل ، بأموالهم وأموال التجار وغيرهم ، فحفظوا المدينة وراسلوا الفرنج داخل البحر يستمدّونهم ، فأجابوهم بالتلبية لدعوتهم ، ووعدوهم بالنصرة ، وأمروهم بحفظ صور لتكون دار هجرتهم يحتمون بها « 1 » ويلجئون إليها ، فزادهم ذلك حرصا على حفظها والذبّ عنها . وسنذكر إن شاء اللَّه ما صار إليه الأمر بعد ذلك ليعلم أن الملك لا ينبغي أن يترك الحزم ، وإن ساعدته الأقدار ، فلأن يعجز حازما خير له من أن يظفر مفرطا ، مضيعا للحزم ، وأعذر له عند النّاس . ولمّا أراد الرحيل استشار أمراءه ، فاختلفوا ، فجماعة يقولون : الرأي أن نرحل ، فقد جرح الرجال ، وقتلوا ، وملّوا ، وفنيت النفقات ، وهذا الشتاء قد حضر ، والشوط بطين ، فنريح ونستريح في هذا البرد ، فإذا جاء الربيع اجتمعنا وعاودناها وغيرها . وكان هذا قول الأغنياء منهم ، وكأنّهم خافوا أنّ السلطان يقترض منهم ما ينفقه في العسكر إذا أقام لخلوّ الخزائن وبيوت الأموال من الدرهم والدينار ، فإنّه كان يخرج كلّ ما حمل إليه منها . وقالت الطائفة الأخرى : الرأي أن نصابر البلد ونضايقه ، فهو الّذي يعتمدون عليه من حصونهم ، ومتى أخذناه منهم انقطع طمع من داخل البحر من هذا الجانب وأخذنا باقي البلاد صفوا عفوا . فبقي صلاح الدين متردّدا بين الرحيل والإقامة ، فلمّا رأى من يرى الرحيل إقامته أخلّ بما ردّ إليه من المحاربة والرمي بالمنجنيق ، واعتذروا بجراح رجالهم ، وأنّهم قد أرسلوا بعضهم ليحضروا نفقاتهم والعلوفات لدوابّهم والأقوات لهم ، إلى غير ذلك من الأعذار ، فصاروا مقيمين بغير قتال ، فاضطرّ إلى الرحيل ، فرحل عنها آخر شوّال ، وكان أوّل كانون الأوّل ، إلى عكّا ،

--> ( 1 ) . يجتمعون بها . A